قصة الاعتقال...الجزء الثالث

كانت اسلاعة حوالي التاسعة صباحا لما استيقظت من سباتي العميق-بفضل الله ومنته-
على صوت أحد مجرمي أمن الدولة (اسمه رياض)
قوم ياد انت وهو
كان هذا هو وقت النزول الى الخلاء لمدة لا تزيد عن خمس دقائق بل أقل
وحينما تنزل الى الخلاء يتم ازالة الغماية من على العينين لمدة دقائق قليلة
يمكنك فيها ان ترى بعينيك لا بأعين الآخرين
وأنت في الخلاء مطلوب منك أن تقضي حاجتك وتتوضأ وتغسل وجهك وترتب ملابسك ..كل هذا في أٌل من دقيقتين ..وهو ينادي عليك في كل لحظة يطالبك بالخروج
ثم تصعد إلى فوق الارض مرة اخرى لتجلي على بطانية سمكها لا يتجاوز الملليمتر تقريبا
وبدأت جلسات التحقيق والتعذيب في اليوم التالي
سب
شتم
ركل
ضرب
كهرباء
تجريد من الملابس
سخرية منك
وهكذا دواليك..يهدفون إلى تدميرك نفسيا...لكي تعترف لهم بأي شئ
حتى وإن لم تفعله
تحت ضغط التعذيب المتواصل بالكهرباء لساعات
طويلة
اضطررت لابداء اعتراف بأي شئ
كنت قد تعرفت على احد الاخوة من حوالي 5 سنوات او اكثر تحدثنا فيها عن امور المسلمين والجهاد في سبيل الله وهكذا
كنت لا اظن انهم سيبحثون عنه
ولكن حدث مالم اكن اتوقعه فكان هذا بالنسبة لهم فريسة ثمينة
وانا لا اعرف عن هذا الاخ اي شئ ابدا
سوى اني قابلته في خطبة أخي احمد..وهو قريب لزوجته
أصروا على الاتيان به
أخذوني الساعه الثانية ليلا مغمى العينين ومكبل اليدين الى بيت اخي احمد
واجبروه على النزول ليلا هو وزوجته والاوده الثلاثه عمر وعلي وعبد الله-وكان أبناؤه وقتها- لا يتجاوز عمرهم الشهرين أو الثلاثة
وذهبوا بنا جميعا بنا للبحث عن (رمضان)
رمضان: هو شاب مصري..من الصعيد في أواخر الثلاثينات من عمره يحب الجهاد والمجاهدين..وقرأ كثيرا عنهم ولكنه كان ككثير المصريين..يكرهون اليهود وامريكا ويحبون بن لادن -رمز الجهاد- في زماننا..وفقط
يسكن في مدينة نصر
أتوا بها...من وسط أزوجته وابنته الصغيرة..في حو الي الساعة الثالثة فجرا
اعادوا اخي الي بيته
وعادوا بنا الى لاظوغلي
وكانت الليلة كلها على رمضان
اهانوه ايما اهانة واذاقوه ايما تعذيب
ومع جلسات التعذيب المتواصل الشديد بالكهرباء
اضطر الى اخبارهم عن اخ اسمه احمد-يعمل نجار موبيليا- في منطقة جسر السويس
احمد هذا تجاوز الاربعين من عمره
ذهبوا بنا اليه
واحضروه مغمي العينين
في اليوم الاول لم يضغطوا عليه
ولكن في اليوم الثاني
كان احمد جالسا بجواري
وكنت أتحدث معه بصوت منخفض جدا جدا ونحن معصوبي العينين -لانهم ان سمعونا- فهذه جريمة عند\هم
بدأ أحمد في التألم-لانه كان مصابا بانزلاق غضروفي
وكان نائما على السيراميك..وطبيعي أنه لا يستطيع النوم الا على مرتبة خاصة
فتدهورت حالته الصحية في نفس اليوم
وطلب مني ظباط أمن الدولة أن أقوم بعمل جلسات تدليك لفقرات الأخ...ولكنها لم تجدي
فالأخ تبول على نفسه..وهو ما ينذر بكارثة قد حدثت له
سألني كلاب أمن الدولة ..ماهو الحل..أخبرتهم أن الفقرات غالبا قد ضغطت على النخاع الشوكي بطريقة لا يمكن حلها الا بعكملية جراحية عاجلة...كانت هذه بالنسبة لهم مشكلة..لأن أحمد لم يصدر بشأنه جواب اعتقال بعد..حتى يتمكنوا من نقله إلى مستشفى القصر العيني بالقسم الخاص بالمعتقلين سياسيا هناك

لما ابتعدوا اقتربت من الاخ وقلت له:اثبت على ما أنت فيه-من المرض أو تظاهر المرض-
بعدها أخذوا أحمد ...لا أعرف إلى أين....

مر يومان وجلسات التعذيب الليلىة لي وللاخ رمضان تتواصل صباح مساء
حتى أتى يوم أتوا فيه بمهندس كمبيوتر-أخ محترم اسمه محمد- كان يرتب أموره للذهب إلى أمريكا في خلال أيام لاستكمال دراسة البرمجيات
ونال منهم من التعذيب ما تعجز عنه الرجال الابطال...حتى انه من وقع التعذيب عليه من الكلب العقيد حازم الديب
كان الأخ لا يقوى على الحراك لمدة ايام..كان إن حرك حتى أصبعا منه يتألم...جعلها الله في ميزان حسناته
ثم يوم آخر وأتوا بمجموعة من الاخوة مكونة من 4 أخوة أشقاء وإمام مسجد من مدينة نصر-اسمه الشيخ عيد-
أدخلوا أحد الاخوة الى الاشقاء -واسمه رمضان أيضا-
أدخلوه إلى غرفة التعذيب
واستكروا بتعذيبه من الساعة العاشرة مساءا إلى الساعه التاسعة والنصف من صباح اليوم التالي
12 ساعة متواصلة من التعذيب والضرب والكهرباء
والأخ يصرخ طوال الليل من التعذيب الشديد

حتى أًنني أنا والأخوة -في الطرقة-أصابنا خوف وهما وغما شديدا..وبقينا ساهرين حتى بعد الفجر...
ولكني لم ألستطع الصمود أكثر فنمت في مكاني على أرض لمدة ساعتين تقريبا.زاستيقظت بعدها على بكاء الاخ المهندس محمد..وهو يبكي بنحيب ويقول أين رمضان-هو لا يعرفه ولا قابله من قبل...لكن تربطه به علاقة الاخوة في الدين-
لحظات قليلة وسمعنا صوت دربكة وحركات عشوائية وخرج أربعة من كلاب أمن الدولة يحملون الأخ مرابعة...
()
طبعا لم نراهم ولكن أحسسنا بهم
بعدها بدقيقتين أتى أمين الشرطة (رياض) وهو كلب قد تجاوز الخمسين من عمره وشاب شعره في محاربة دين الله -عزوجل- وعباد الله -سبحانه وتعالى- سألني: أنت دكتور ايه؟
قلت له: قلب
قالي: تعالى..عاوزينك بسرعه..
لم أشك لحظة في أن مصيبة قد حدثت
بعدها أخذوني مغمي العينين إلى أسفل إلى أمام مبني لاظوغلي-لكن من الداخل-
ثم سمعت صوتا يقول: لأ خلاص ..رجعوه
ذهلت من الموقف...وأعادوني إلى مكاني في الطرقة...
فالأخ قد مات..
قتله الظباط كلاب أمن الدولة بلاظوغلي
حازم الديب..عمرو حلمي..وكريم

عرفت بعدها بحوالي أربعة أشهر أن أمن الدولة أخبرت أهله أنه مات منتحرا..
وطلبوا من الأهل أن يوقعوا على ورقة مفادها أنه مات منتحرا..حتى يقوموا بتسليمهم الجثة..
واستسلم الأهل المساكين للظغط الشديد..فقد ذهب أولادهم الأربعة وعادوا ثلاثة
لم أكن أتوقع حجم الحسرةو والحزن الذي سيصيب هذه الأسرة جراء فقدان أحد أبناءها بهذه الصورة البشعة...
ولما وقع الأهل على الورقة أنه مات منتحرا...
لم تسلمهم أمن الدولة الجثة..
بل دفنوها هم بمعرفتهم في مكان..الله أعلم أين هو...
وقامت بترحيل إخوانه الثلاثة إلى سجن ما-لم أستطع معرفته-
وقاموا بترحيل عيد أيضا-الإمام بأحد مساجد مدينة نصر- (والذي كان يقول بأن حسني مبارك ولي الأمر ولا يجوز الخروج عليه وهراء من هذا القبيل...
ولكن الله-عزوجل- أراد أن يذيقه من كأس ولي أمره..فتم ترحيله بلا سبب إلى سجن أبي زعبل شديد الحراسة وسجن انفراديا لمدة شهرين-حتى لا يكون شاهدا على واقعة قتل رمضان)
وتم ترحيل اإخوان رمضان إلى السجن بعد أن فقدوا أخاهم وكذا تم ترحيل الاخ المهندس محمد إلى سجن ليمان أبي زعبل

وبقيت أنا ورمضان في لاظوغلي...

يتبع..إن شاء الله

قصة الاعتقال- الجزء الثاني

أذان المغرب أسمعه يعلو وصوت المؤذن وهو ينادي الله أكبــر..الله أكبــر
كأنها رسالة من الله-عزوجل- لي الله أكبر منهم يا خالد
الله أكبر من هؤلاء الظالمين المجرمين
الله اكبر من أسلحتهم ورشاشاتهم
الله أكبر من حصونهم
كانت تكبيرات الآذان تزيدني فرحا وصبراً بالرغم من أنني محاط بمجموعة كبيرة من العساكر وضباط أمن الدولة المدججين بالأسلحة
وانا معصوب العينين ..
انحدرت سيارة الشرطة من على كوبري اكتوبر يسارا إلى قرب ميدان التحرير
ومنه إلى شارع طويل
ثم توقفت فجأة وشعرت انني وأنا أنزل منها انني في شارع خالي من المارة
نزلت منها ونزلوا معي عساكر أمن الدولة يتقدمهم زبانية أمن الدولة

قبل دخولك إلى مبنى أمن الدولة بلاظوغلي تخضع للتفتيش الدقيق جدا لانني باعتباري -مجرم خطير- من المتوقع ان أحمل في جيبي سماعة طبية
أو جهاز ضغط يمكنني من خلال جهاز الضغط أن أستخدم الزئبق مع الزجاج المطحون وإضافة بعض قطع المطاط عليه ليصبح قنبلة انشطارية

دخلت من البوابة -وسبحان الله- لم أشعر بالخوف بل والله كلما ازداد اقترابي من مبنى لاظوغلي في داخله كلما ازددت طمأنينة
وكأنها من عند الله -عزوجل-
صعدت درجات السلم
وانا معصوب العينين طبعا...
الى ان انتهى الامر بي الى ان وقفت أمام مكتب البيه الظابط في لاظوغلي
اوقفوني قليلا خارج الباب
ثم ادخلوني

تظاهر الضابط بانه يتحدث في التليفون ولا يعير لي انتباها وانا واقف أمامه
بالطبع أنا أعرف أنه يريد أن يقيمني ويريد أن يرى ارتباكي أمامه
صمتت واقفا
وسألني : تعرف انت فين؟
قلت له : لأ
قال لي : انت في لاظوغلي
طبعا رفع صوته في كلمة لاظوغلي ليوحي لي بأنني في مكان ما خارج كوكب الأرض
قلت له : لا حول ولا قوة إلا بالله
ثم قال : عندنا كل الطرق اللي تحبها
وأمر عساكره ان يخرجوني لانتظر خارج الباب
في الطرقة
أحكي لكم عن الطرقة في لاظوغلي
طرقة طولها حوالي 20 متراً وعرضها حوالي مترين
والسقف يرتفع عنها بمقدار 5 متر تقريبا
وبها بابان باب قريب من مكاتب الظباط
وباب أخر يفتح على مكتب أمناء الشرطة ويوصل للحجز اللي تحت الأرض
وفي آخر الطرقة غرفة التعذيب حوالي 5 متر في 5 متر
وفي جدران الطرقة توجد (أعزكم الله) حلقات حديدية (كالتي تربط بها البهائم في الحظيرة)حوالي 10 على كل جانب ترتفع عن الأرض حوالي شبر يقومون بربطنا بالكلابشات في الحلقة
يوميا من الساعة الثانية بعد منتصف الليل وحتى الساعة التاسعة والنصف من صباح اليوم التالي...
خرجت من عند سمير زكي (طبعا ده اسم حركي) (رتبته على ما اعتقد مقدم أو عقيد)
وقفت في الطرقة دقيقة
وأتى كائن حي اسمه ابراهيم ...لا تفرق صوته عن صوت الجاموسة (أعزكم الله)
واحضر بطانية متهالكة وامرني بان افرشها على السيراميك
فرشتها واجلسني مكاني
قلت له اصلي العصر مردش عليا
قلت في نفسي وانا لا اخافهم
فصليت مكاني وانا لا اعرف اتجاه القبلة
وبعد الانتهاء من الصلاة طلبت منه ان يأخذ من نقودي ليشتري لي طعاما
قال لي اجلس مكانك
جلست
ودقيقتين واتى لي بطعام من عندهم (ربنا يطعمهم من طعام أهل النار)
اكلت
وحاولت رفع الغماية قليلا عن عيني لارى اين انا
وماهي الا ثانية ووجدته يعود الي ويخبرني بان رفع الغماية في هذا المكان جريمة

لم اهتم لأمر الغماية بعد ذلك
جلست لمدة ثلاث ساعات
وانا افكر في هذه الحال
وصليت العشاء
وحوالي العاشرة مساءا
وجدت سمير زكي ينادي على امناء الشرطة
بان يحضروني
سألني اسالتهم المملة المعتادةك احكي لي قصة التزامك
قلت له: انا ملتزم منذ طفولتي
استفزه الكلام
وبدأ الحديث معي يأخذ من جانبه منحى آخر
ولا أعرف ماهو دخل أمي أو أبي بي
ما الفائدة من سبهم وشتمهم أمامي؟
الفائدة هي محاولة للضغط العصبي والنفسي علي
لأعترف لهم بأي شئ عن أي شئ حتى ولو لم أقم بأي شئ
قال لهم خدوه
أخدوني للطرقة مرة اخرى
وقال لهم قلعوه

الحقيقة أنني لم أنصدم كثيرا لما سمعت هذه الكلمة
لأنني قد قرأت عن وسائل أمن الدولة في التعذيب وفي الضغط على الناس
وإخوانهم من زبانية سجن أبي غريب قد فعلوا مثل ما يريدون فعله الآن
المهم
كان سمير زكي محترما معي حتى هذه اللحظة
ذلك أن مستوى خلع الملابس كان مقتصرا على الملابس الخارجية فقط
بمعنى أنه أوقفني في هذه الليلة بالملابس الداخلية فقط

طبعا لن أحكي لكم عن برودة هذه الليلة والسيراميك اسفل مني
بدأت أقرأ في سورة يس
قال لي : انت بتحسبن علينا؟
قل له : لا , انا باقرأ قرآن

دقائق وتم سحبي الى داخل غرفة التعذيب
عافاكم الله
خمسة متر في خمسة متر
لأول وهلة حتى وانت معصوب العينين تشم رائحة الذنوب تخرج من هذه الغرفة النتنة
غرفة يحاربون فيها الله ورسوله , ويصدون فيها عن سبيل الله-عزوجل-
ويفتنون الناس عن دينهم

أدخلوني اليها
وتم توصيل احد الاسلاك باصبع رجلي الصغير
والطرف الاخر تم توصيله بالسبابة
وماهي الا ثانية وأحسست بان جسمي ينتفض من شدة الكهرباء التي تسري فيه
وأنا أقفز من على الارض من شدة الألم ..وبدأت ضحكاتهم تتعالى في الغرفة ودخان سجائرهم يخنقني
وقال لي سمير زكي: عندنا من 20 فولت لحد 400 فولت
تعرف فلان ؟
الاجابة : لا
طيب خذ
وجرعات متواصلة من الكهرباء
يتخللها فواصل قبيحة من السب والشتم بالام والاب
والسخرية والاستهزاء
وبعد حوالي نصف ساعة من الكهرباء
اخرجوني الى الطرقة
وقضيت ليلتي منهكا من التعذيب ومن التفكير في ما يحدث
وجلست على الارض ولك ان تتخيل معي في هذا الموقف المرعب
وفي هذا المكان المرعب
كيف وأنت في وسط قوم يحاربون دينك ومعتقدك ويطبقون ساديتهم عليك
موقف مرعب جدا
ولكن الرحمن الرحيم فوقهم, وفوقك
ينزل على نعاساً أمنة من عنده
فنمت في مكاني وانا بملابسي الداخلية على السيراميك البارد
حتى بعد مطلع الفجر ......
يتبع